بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، و بعد ، فالسلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أًفُلَ نجم الأمة الإسلامية ( أو خَفُتَ ) منذ عقود طويلة و الأسباب كثيرة لا مجال لذكرها لكننا نجملها في السبب المجمل الرئيس و هو البعد عن منهج الحق سبحانه في إدارة حياتنا ، و أعلم أن لذلك تفصيلات ٍ و تأصيلاتٍ ربما لا يتسع المقام حتى للتعريج عليها !
منذ عقود ربما ليست بالطويلة انبرى كثيرون غيورون على الأمة ( المجددون ) و على مكانتها بين الأمم كي يحاولوا إعادة بناء شيء في بنائها الذي تصدع و انهارت أجزاء كثيرة منه ، و لا أدل على هذه الانهيارات العديدات من تمزق الأمة و تشرذمها إلى أكثر من 57 دولة إسلامية : منها 23 دولة عربية ، و لازالت التشققات في جسد الوطن العربي مستمرة ؛ فالسودان و اليمن شاهدا حق على هذا !
لكننا بعد أعوام و أعوام ، و بعد سيطرة شَبَحَيِ الخوف و اليأس على الأمة و تظليلها بهما ، نجد اليوم حالة فريدة ليست غريبة على الأمة ، فهي دائما ما تكبو و تستيقظ و هذا ليس حكرا عليها بل هو من خصائص الأمم جميعا ، و ربما نظرية نشوء الأمم و سقوطها معلومة بالضرورة لدى المعنيين من أهل التاريخ أو النهضويين ، الحالة الفريدة غير الغريبة هذه هي -و بعد زمان ليس باليسير من حال اليأس و ( نفض اليد كما يقولون ) من شباب الأمة – انتفاض الشباب ( 14 عاما -35 عاما ) على الظلم و الوضع الراهن من تردي الأوضاع المعيشية و الاجتماعية و السياسية و غياب الحريات و تَوَهان ِ الحقوق في سراديب ما يسميه البعض " حب الوطن و المواطنة الصالحة " و قَلْبهِ أنظمة حكم قامت على العسكرة و ترعرعت عليها ، و نمتها و ضخمتها ، و استخدمت إفرازاتها كي تُظِلَّ الشعوب بـــــ " قبول الأمر الواقع على مرارته و تخيل أنه الأحسن و الأفضل " و أن البدائل خطيرة جدا ( قمع ، زج في السجون لعشرات السنين ، القتل ، الحرب الأهلية ... الخ ) . حالة التحول الحقيقي هذه لم تأت أبدا من فراغ ، ولم تكن محض صدفة فهذا يخالف كل المنطق و كل العقل و كل الواقع المحسوس ، بل أتت على ظهر صعدت عليه كي ترى النور لأول مرة منذ مئة عام ربما أو يزيد ، هذا الظهر هو الشحن المستمر في الأمة من خلال وسائل الإعلام الحرة الموضوعية المنصفة و على رأسها المساجد التي تدار فيها نقاشات فكرية حقيقية غير اعتيادية .
أدلل على هذا -لمن يؤمن بالإسلام كدين يعد صلاته و صيامه و ذكره لله هو روحه و يترك جوانب عظمى فيه اسمها الحقوق و العدل و الإنصاف حتى ولو على النفس و الرفق و قبول الآخر - من كتاب الله تعالى الذي نعده جميعا نحن المسلمين صالحا لكل زمان و مكان ، الذي أصل فيه الله تعالى المبادئ كي يصلح لكل زمان و مكان ، و جعل لمن أراد أن يقرأه قراءة تأملية تدبرية أجرًا أكبر ممن يتلوه تعبدا شخصيا ، فالله أصل فيه مناهج أمم و أقوام و أكد على أن هذه المناهج لا تتغير لأن هذه المناهج إنما تمثل كلّيتين : كلية اسمها الحق ، و أخرى تسمى الباطل مهما تغير الزمان و تغيرت الأحوال و هو ما نسميه " سنن الله " !
أضرب مثالا من القرآن الكريم و أقارنه مع واقعنا اليوم كي تجد بنفسك أخي القارئ / أختي القارئة تشابها عجيبا بين ما حصل في نقطة زمنية تبعد أكثر من ألف عام عنا ألا و هي تعامل فرعون مع موسى عليه السلام و بين ما يحصل اليوم من تكرار النموذجين و أعني هنا نموذج فرعون و ما يمثله هذا الشخص من منهج و كلية تدعى الباطل و نموذج موسى عليه السلام و ما يمثله من كلية الحق ! و ليس أدل على هذا من تكرار هذين النموذجين في الكتاب العزيز و كما يعلم الجميع أن التكرار في القرآن ليس عبثا مطلقا ، حاشا و كلا !
تأملات قرآنية و قراءة فكرية :
كما يعلم العارفون أن زمان فرعون كان مشتهرا بالسحر و ما جاور ذلك و ما تبعه من أعمال الكهانة ، و لأن نبوءة أوصلها الجهاز الديني ( المفتون و ما أدراك ما المفتون ) إلى الإله فرعون أن فتى من بني إسرائيل سيخرج كي ينقض ملكه و يكفأه على رأسه ... أثارت هذه النبوءة فزع و خوف فرعون الشديدين مما دعاه إلى إصدار قرار يعطل كل ما يمكن أن يدعم هذه الفكرة الدينية البحتة، و كان القرار أن يقتل جميع المواليد من بني إسرائيل الذكورَ منهم ، و قد سجل الله تعالى هذا في القرآن الكريم في قوله :<< إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين >> سورة القصص : 4 . وقد سجل الله تعالى ذلك كذلك في أكثر من موضع في أكثر من سورة أخرى . إذن؛ فقد أصّلَ فرعون منهجية في التعامل مع الخطر القادم غير القائم بعد إذ إن موسى لم يولد بعد بأن اتخذ كافة التدابير من خلال مؤسساته الأمنية التي بطشت ببني إسرائيل و شرعن فرعون ذلك من خلال الجهاز الديني الذي كان يملكه ( الكهنة ) الذين أفتوا له بجواز فعل ذلك من خلال إيصالهم فكرة الخطر القادم و أيضا من خلال صمتهم على ما يجري ففي ذلك موافقة على ما كان على الأرض يجري ففرعون هو الرب الأعلى !
هذا المنهج الذي أصّلَهُ فرعون لم يكن حكرا عليه ، فهو ديدن يسير عليه كل الفراعنة في كل زمن ، و الدليل أنه بإسقاط ذلك على واقعنا نحن في القرنين العشرين و الواحد و العشرين نجد أن التخوف من " بعبع " التطرف الإسلامي قائم على قدم و ساق ، و أنه الشر المستطير و تخصيص الميزانيات لإبعاده قدر المستطاع عن واقع التأثير و اتهام من يسعى لذلك تارة بالإرهاب و أخرى بالتطرف و الرجعية و ما إلى ذلك ، و شن حروب بدعوات مختلفة مختلقة لكن النتيجة واحدة و هي الحذر من الخطر القادم غير القائم و يشرعنون ذلك بفتاوى المحافظة على الاستقرار و اجتزاء النصوص و لي أعناقها ! نجد هنا تشابها عجيبا بين ما حصل في الزمان الغابر و بين ما يحدث اليوم في زمن تكنولوجيا النانو و القنابل الذكية و الشيفرات الوراثية !
مثال آخر و مقارنة أخرى ؛ ففي حين بث فرعون كل ما يمكن له أن يبثه من أذرع أمنية و جُنْدٍ لا قِبَلَ للمستضعفين من بني إسرائيل بهم حتى يمنع حدوث الكارثة و ما كان منه يتخوف ، لكن إرادة الله كانت فوق إرادته ، فنجا موسى بل و تربى في قصره و كلنا يعرف القصة ، لكن الجانب المثير هو الصدام الذي حدث بين فرعون و ما يمثله و ما كان يمتلكه من جهة ، و موسى عليه السلام و ما يمثله و ما كان يمتلكه من جهة أخرى ، فطريقة فرعون في التعامل مع هذا الخطر الذي أصبح قائما على الأرض لم يكن إلا تعبيرا عن منهج قمعي في أصله ، استبدادي في سلوكه ، و متجمل في مظهره ... كيف ؟!
يقول الله تعالى عن فرعون حين خاطب موسى : << لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين>> سورة الشعراء:29 . لما بلغ الأمر ما بلغ أصبح من الضروري التعامل معه بطرق شتى على رأسها الترهيب بسلب الحرية و الزج في السجون ، ثم استدعائه للحوار و النقاش أو ما يمكن تسميته الحرب الإعلامية أو المناظرة الإعلامية العلنية و ما قصة السحرة عن أذهانكم ببعيد ، وقد سجل هذا أيضا القرآن الكريم : << قال أو لو جئتك بشيء مبين ، قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين>> سورة الشعراء :30-33. فشل الحوار بين موسى الذي كان يمثل لدى تلك النقطة المعارضة و فرعون الذي كان يمثل سلطتين : سلطة سياسية و أخرى ربوبية دينية ، فلجأ فرعون إلى وعيده و تهديده لكنه استبق ذلك بتشغيل آلة الإعلام الرسمي الناطق باسمه ( السحرة ) و استخدم عبارات ظل يرددها لكنها كانت في فحواها متناقضة ... يقول الله :<< فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ، إن هؤلاء لشرذمة قليلون ، و إنهم لنا لغائظون ، و إنا لجميع حاذرون >> سورة الشعراء:53- 56 . يظهر فرعون من خلال إعلامه ( السحرة ) أن موسى و من معه شرذمة أي قلة قليلة ،لكن التناقض هنا هو أنه و مع أنهم قلة لكنهم أغاظوا فرعون و نظامه ، و هذا يدلل بعمق على قمة الاستبداد و التكبر الذي لَـفّـهُم ، و لم يكتف بذلك بل أبدى ضرورة الحذر من هذه الفئة القليلة ، وهذا تعزيز للتناقض في خطابه ! كما حوى خطابه قرارا بقتل موسى مع المسوغات لهذا القرار ، يقول المولى سبحانه : << و قال فرعون ذروني أقتل موسى و ليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد >> سورة غافر:26. إذن؛ مسوغات القرار هي الخوف من موسى على بني إسرائيل أن يبدل دينهم أو أن يثير الخراب و الفساد و هذا ضمنا ضد المواطنة و حب الوطن . لعل المسوغات لم تتغير حتى في هذا العصر أليس كذلك ؟!
في عصرنا الذي نعيش ، فإن المنهج لم يتبدل على الإطلاق ؛ فالطغاة يستخدمون آلة الإعلام الرسمي كي يوصلوا رسائلهم عبرها، و في ذات الآن يقللون من شأن المعارضة ، ففي حين تكون المظاهرات تعم أرجاء البلاد ، نجد أن الطغاة يطلون علينا من نافذة إعلامهم ليقولوا لنا أن المتظاهرين قلة لكنهم على الأرض يحسبون لهم ألف حساب ، فيرسلون البلطجية و يطلقون يد الأذرع الأمنية كي تقتل و تنكل مع أنهم يقولون أنهم شرذمة و أنهم قلة لكنهم يحذرون أشد الحذر منهم و ليس أدل على ذلك من تصرفاتهم و ردات أفعالهم تجاههم !
اليوم و بعد حدوث الثورات في بعض البلدان العربية و انتظار المزيد في البقية ، يعزو الكثيرون ذلك إلى التحول الذي حدث من حالة الكلام و العاطفة إلى حالة الفعل و التأثير، لكنني وجدت أن دعاة الفعل و التأثير يعيبون على من كان لا يمتلك سوى الكلام و يعيبون على أولئك الذين يذكرون التاريخ و الماضي المجيد ، و يتحسرون على الواقع التليد ، و يتمنون مستقبلا زاهرا زاخرا ، لكنني و مع وقوفي في صف لا يميل لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء فإنني أرى أننا بحاجة دائمة إلى تذكر ماضينا المجيد ، و التحسر على واقعنا التليد ، و استشراف مستقبلنا بأبهى الصور و التحرك و وضع كل هذا في الفعل، مع عدم الإعابة على من لا يملك سوى الكلام في لحظة من اللحظات ، لأنني أجزم أن ما رأيناه من ثورات كان نتاجا طبيعيا لعقود من الشحن العاطفي و الحديث ( البعد المنطوق) عن ضرورة التغيير و التحول إلى الفعل ( البعد المفعول ) ، و قبول هذه الحقيقة – من وجهة نظري على الأقل – تعزز روح الاختلاف المثمر !
نؤمن بالمرحلية فالله تعالى خلق السموات و الأرض في ستة أيام و الله قادر على أن يفعل ذلك بكن و من دونها حتى ،و نؤمن أيضا أن الاختلاف الحاصل في مناهج الذين نحسبهم يعملون ضمن إطار منهج أهل الحق إنما نراها من زاية الاختلاف المثمر لا التصارع و لا التصادم الهدام الباعث على الخلاف ، و لا نؤمن مطلقا بالإعابة على أحد ممن يعمل في هذا المجال ، لأننا نؤمن أنه لا عنوان للحق إلا " لا إله إلا الله محمد رسول الله " لا سلفية و لا حزب تحرير و لا إخوان مسلمون ولا دعوة و تبليغ ، فكلٌّ منهم يمثلُ جزءًا من كلّ اسمه الإسلام ، و من الخطأ من وجهة نظري أن يدعي أحد منهم أنه يمثل الإسلام ، لإن الإسلام كامل و هم ناقصون ، لكنهم في تقدريري يمثلون جزءا منه و هذا حق و واقع ، و لا نعيب عليهم أخطاءهم فشغلنا ليس متابعة الخطأ بقدر ما يهمنا تعزيز الصحيح لديهم لإن ذلك كله يعزز عجلة النهضة المبنية على أساس متين هو " لا إله إلا الله محمد رسول الله " صلى الله عليه و آله و سلم !
كما أننا لا نجد أي تناقض بين ما حدث في تونس و مصر و ما يحدث الآن في ليبيا و اليمن و البحرين من ثورات و ربما هناك المزيد إن شاء الله ، و بين تصويب العيون تجاه فلسطين و القدس ، بل بالعكس و الله إن الناظر المحدق جيدا يرى أن الترابط جدُّ متين فزوال الظلم عن المسلمين بشرى خير لزواله على قبلتهم الأولى و إن ذلك أصبح يتراءى أمامنا و ما كنا يومًا نظن أننا سنصل إلى هذا الحد من التفاؤل فلله الحمد في الأولى و الآخرة و له الحكم و إليه ترجعون !
أرحب بأي انتقاد يثري ويضيف فكرة جديدة
جزاكم الله خيرا
سلام عليكم و رحمة الله و بركاته
بقلم : عـــــــــُـــــــــــــمــــَــــــــــــــــر
التاريخ : 11-03-2011
الساعة : 11:50 مساء بتوقيت القدس المحتلة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق