أنا ... آه ٍ على أنا

أنا روح التناقض ، جسد الصحة و السوية ... أنا المتعجل الحل و التمام بروية



أنا ماض أشرق في جنباته صلف القبلية ...أنا المتحضر المتمدن سهل السجية



أنا جدار الصمت اليوم دعائمه قوية ... أنا فرط الكلام العذب أصله حجري القلبية

السبت، 12 مارس 2011

بــَــيــْـــنَ الــمـَــنــْــطــوق و الــمــَــفــْــعــــول !

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، و بعد ، فالسلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أًفُلَ نجم الأمة الإسلامية ( أو خَفُتَ ) منذ عقود طويلة و الأسباب كثيرة لا مجال لذكرها لكننا نجملها في السبب المجمل الرئيس و هو البعد عن منهج الحق سبحانه في إدارة حياتنا ، و أعلم أن لذلك تفصيلات ٍ و تأصيلاتٍ ربما لا يتسع المقام حتى للتعريج عليها !

منذ عقود ربما ليست بالطويلة انبرى كثيرون غيورون على الأمة ( المجددون ) و على مكانتها بين الأمم كي يحاولوا إعادة بناء شيء في بنائها الذي تصدع و انهارت أجزاء كثيرة منه ، و لا أدل على هذه الانهيارات العديدات من تمزق الأمة و تشرذمها إلى أكثر من 57 دولة إسلامية : منها 23 دولة عربية ، و لازالت التشققات في جسد الوطن العربي مستمرة ؛ فالسودان و اليمن شاهدا حق على هذا !

لكننا بعد أعوام و أعوام ، و بعد سيطرة شَبَحَيِ الخوف و اليأس على الأمة و تظليلها بهما ، نجد اليوم حالة فريدة ليست غريبة على الأمة ، فهي دائما ما تكبو و تستيقظ و هذا ليس حكرا عليها بل هو من خصائص الأمم جميعا ، و ربما نظرية نشوء الأمم و سقوطها معلومة بالضرورة لدى المعنيين من أهل التاريخ أو النهضويين ، الحالة الفريدة غير الغريبة هذه هي -و بعد زمان ليس باليسير من حال اليأس و ( نفض اليد كما يقولون ) من شباب الأمة – انتفاض الشباب ( 14 عاما -35 عاما ) على الظلم و الوضع الراهن من تردي الأوضاع المعيشية و الاجتماعية و السياسية و غياب الحريات و تَوَهان ِ الحقوق في سراديب ما يسميه البعض " حب الوطن و المواطنة الصالحة " و قَلْبهِ أنظمة حكم قامت على العسكرة و ترعرعت عليها ، و نمتها و ضخمتها ، و استخدمت إفرازاتها كي تُظِلَّ الشعوب بـــــ " قبول الأمر الواقع على مرارته و تخيل أنه الأحسن و الأفضل " و أن البدائل خطيرة جدا ( قمع ، زج في السجون لعشرات السنين ، القتل ، الحرب الأهلية ... الخ ) . حالة التحول الحقيقي هذه لم تأت أبدا من فراغ ، ولم تكن محض صدفة فهذا يخالف كل المنطق و كل العقل و كل الواقع المحسوس ، بل أتت على ظهر صعدت عليه كي ترى النور لأول مرة منذ مئة عام ربما أو يزيد ، هذا الظهر هو الشحن المستمر في الأمة من خلال وسائل الإعلام الحرة الموضوعية المنصفة و على رأسها المساجد التي تدار فيها نقاشات فكرية حقيقية غير اعتيادية .

أدلل على هذا -لمن يؤمن بالإسلام كدين يعد صلاته و صيامه و ذكره لله هو روحه و يترك جوانب عظمى فيه اسمها الحقوق و العدل و الإنصاف حتى ولو على النفس و الرفق و قبول الآخر - من كتاب الله تعالى الذي نعده جميعا نحن المسلمين صالحا لكل زمان و مكان ، الذي أصل فيه الله تعالى المبادئ كي يصلح لكل زمان و مكان ، و جعل لمن أراد أن يقرأه قراءة تأملية تدبرية أجرًا أكبر ممن يتلوه تعبدا شخصيا ، فالله أصل فيه مناهج أمم و أقوام و أكد على أن هذه المناهج لا تتغير لأن هذه المناهج إنما تمثل كلّيتين : كلية اسمها الحق ، و أخرى تسمى الباطل مهما تغير الزمان و تغيرت الأحوال و هو ما نسميه " سنن الله " !

أضرب مثالا من القرآن الكريم و أقارنه مع واقعنا اليوم كي تجد بنفسك أخي القارئ / أختي القارئة تشابها عجيبا بين ما حصل في نقطة زمنية تبعد أكثر من ألف عام عنا ألا و هي تعامل فرعون مع موسى عليه السلام و بين ما يحصل اليوم من تكرار النموذجين و أعني هنا نموذج فرعون و ما يمثله هذا الشخص من منهج و كلية تدعى الباطل و نموذج موسى عليه السلام و ما يمثله من كلية الحق ! و ليس أدل على هذا من تكرار هذين النموذجين في الكتاب العزيز و كما يعلم الجميع أن التكرار في القرآن ليس عبثا مطلقا ، حاشا و كلا !

 
تأملات قرآنية و قراءة فكرية :


كما يعلم العارفون أن زمان فرعون كان مشتهرا بالسحر و ما جاور ذلك و ما تبعه من أعمال الكهانة ، و لأن نبوءة أوصلها الجهاز الديني ( المفتون و ما أدراك ما المفتون ) إلى الإله فرعون أن فتى من بني إسرائيل سيخرج كي ينقض ملكه و يكفأه على رأسه ... أثارت هذه النبوءة فزع و خوف فرعون الشديدين مما دعاه إلى إصدار قرار يعطل كل ما يمكن أن يدعم هذه الفكرة الدينية البحتة، و كان القرار أن يقتل جميع المواليد من بني إسرائيل الذكورَ منهم ، و قد سجل الله تعالى هذا في القرآن الكريم في قوله :<< إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين >> سورة القصص : 4 . وقد سجل الله تعالى ذلك كذلك في أكثر من موضع في أكثر من سورة أخرى . إذن؛ فقد أصّلَ فرعون منهجية في التعامل مع الخطر القادم غير القائم بعد إذ إن موسى لم يولد بعد بأن اتخذ كافة التدابير من خلال مؤسساته الأمنية التي بطشت ببني إسرائيل و شرعن فرعون ذلك من خلال الجهاز الديني الذي كان يملكه ( الكهنة ) الذين أفتوا له بجواز فعل ذلك من خلال إيصالهم فكرة الخطر القادم و أيضا من خلال صمتهم على ما يجري ففي ذلك موافقة على ما كان على الأرض يجري ففرعون هو الرب الأعلى !
هذا المنهج الذي أصّلَهُ فرعون لم يكن حكرا عليه ، فهو ديدن يسير عليه كل الفراعنة في كل زمن ، و الدليل أنه بإسقاط ذلك على واقعنا نحن في القرنين العشرين و الواحد و العشرين نجد أن التخوف من " بعبع " التطرف الإسلامي قائم على قدم و ساق ، و أنه الشر المستطير و تخصيص الميزانيات لإبعاده قدر المستطاع عن واقع التأثير و اتهام من يسعى لذلك تارة بالإرهاب و أخرى بالتطرف و الرجعية و ما إلى ذلك ، و شن حروب بدعوات مختلفة مختلقة لكن النتيجة واحدة و هي الحذر من الخطر القادم غير القائم و يشرعنون ذلك بفتاوى المحافظة على الاستقرار و اجتزاء النصوص و لي أعناقها ! نجد هنا تشابها عجيبا بين ما حصل في الزمان الغابر و بين ما يحدث اليوم في زمن تكنولوجيا النانو و القنابل الذكية و الشيفرات الوراثية !
مثال آخر و مقارنة أخرى ؛ ففي حين بث فرعون كل ما يمكن له أن يبثه من أذرع أمنية و جُنْدٍ لا قِبَلَ للمستضعفين من بني إسرائيل بهم حتى يمنع حدوث الكارثة و ما كان منه يتخوف ، لكن إرادة الله كانت فوق إرادته ، فنجا موسى بل و تربى في قصره و كلنا يعرف القصة ، لكن الجانب المثير هو الصدام الذي حدث بين فرعون و ما يمثله و ما كان يمتلكه من جهة ، و موسى عليه السلام و ما يمثله و ما كان يمتلكه من جهة أخرى ، فطريقة فرعون في التعامل مع هذا الخطر الذي أصبح قائما على الأرض لم يكن إلا تعبيرا عن منهج قمعي في أصله ، استبدادي في سلوكه ، و متجمل في مظهره ... كيف ؟!


يقول الله تعالى عن فرعون حين خاطب موسى : << لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين>> سورة الشعراء:29 . لما بلغ الأمر ما بلغ أصبح من الضروري التعامل معه بطرق شتى على رأسها الترهيب بسلب الحرية و الزج في السجون ، ثم استدعائه للحوار و النقاش أو ما يمكن تسميته الحرب الإعلامية أو المناظرة الإعلامية العلنية و ما قصة السحرة عن أذهانكم ببعيد ، وقد سجل هذا أيضا القرآن الكريم : << قال أو لو جئتك بشيء مبين ، قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين>> سورة الشعراء :30-33. فشل الحوار بين موسى الذي كان يمثل لدى تلك النقطة المعارضة و فرعون الذي كان يمثل سلطتين : سلطة سياسية و أخرى ربوبية دينية ، فلجأ فرعون إلى وعيده و تهديده لكنه استبق ذلك بتشغيل آلة الإعلام الرسمي الناطق باسمه ( السحرة ) و استخدم عبارات ظل يرددها لكنها كانت في فحواها متناقضة ... يقول الله :<< فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ، إن هؤلاء لشرذمة قليلون ، و إنهم لنا لغائظون ، و إنا لجميع حاذرون >> سورة الشعراء:53- 56 . يظهر فرعون من خلال إعلامه ( السحرة ) أن موسى و من معه شرذمة أي قلة قليلة ،لكن التناقض هنا هو أنه و مع أنهم قلة لكنهم أغاظوا فرعون و نظامه ، و هذا يدلل بعمق على قمة الاستبداد و التكبر الذي لَـفّـهُم ، و لم يكتف بذلك بل أبدى ضرورة الحذر من هذه الفئة القليلة ، وهذا تعزيز للتناقض في خطابه ! كما حوى خطابه قرارا بقتل موسى مع المسوغات لهذا القرار ، يقول المولى سبحانه : << و قال فرعون ذروني أقتل موسى و ليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد >> سورة غافر:26. إذن؛ مسوغات القرار هي الخوف من موسى على بني إسرائيل أن يبدل دينهم أو أن يثير الخراب و الفساد و هذا ضمنا ضد المواطنة و حب الوطن . لعل المسوغات لم تتغير حتى في هذا العصر أليس كذلك ؟!


في عصرنا الذي نعيش ، فإن المنهج لم يتبدل على الإطلاق ؛ فالطغاة يستخدمون آلة الإعلام الرسمي كي يوصلوا رسائلهم عبرها، و في ذات الآن يقللون من شأن المعارضة ، ففي حين تكون المظاهرات تعم أرجاء البلاد ، نجد أن الطغاة يطلون علينا من نافذة إعلامهم ليقولوا لنا أن المتظاهرين قلة لكنهم على الأرض يحسبون لهم ألف حساب ، فيرسلون البلطجية و يطلقون يد الأذرع الأمنية كي تقتل و تنكل مع أنهم يقولون أنهم شرذمة و أنهم قلة لكنهم يحذرون أشد الحذر منهم و ليس أدل على ذلك من تصرفاتهم و ردات أفعالهم تجاههم !

اليوم و بعد حدوث الثورات في بعض البلدان العربية و انتظار المزيد في البقية ، يعزو الكثيرون ذلك إلى التحول الذي حدث من حالة الكلام و العاطفة إلى حالة الفعل و التأثير، لكنني وجدت أن دعاة الفعل و التأثير يعيبون على من كان لا يمتلك سوى الكلام و يعيبون على أولئك الذين يذكرون التاريخ و الماضي المجيد ، و يتحسرون على الواقع التليد ، و يتمنون مستقبلا زاهرا زاخرا ، لكنني و مع وقوفي في صف لا يميل لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء فإنني أرى أننا بحاجة دائمة إلى تذكر ماضينا المجيد ، و التحسر على واقعنا التليد ، و استشراف مستقبلنا بأبهى الصور و التحرك و وضع كل هذا في الفعل، مع عدم الإعابة على من لا يملك سوى الكلام في لحظة من اللحظات ، لأنني أجزم أن ما رأيناه من ثورات كان نتاجا طبيعيا لعقود من الشحن العاطفي و الحديث ( البعد المنطوق) عن ضرورة التغيير و التحول إلى الفعل ( البعد المفعول ) ، و قبول هذه الحقيقة – من وجهة نظري على الأقل – تعزز روح الاختلاف المثمر !


نؤمن بالمرحلية فالله تعالى خلق السموات و الأرض في ستة أيام و الله قادر على أن يفعل ذلك بكن و من دونها حتى ،و نؤمن أيضا أن الاختلاف الحاصل في مناهج الذين نحسبهم يعملون ضمن إطار منهج أهل الحق إنما نراها من زاية الاختلاف المثمر لا التصارع و لا التصادم الهدام الباعث على الخلاف ، و لا نؤمن مطلقا بالإعابة على أحد ممن يعمل في هذا المجال ، لأننا نؤمن أنه لا عنوان للحق إلا " لا إله إلا الله محمد رسول الله " لا سلفية و لا حزب تحرير و لا إخوان مسلمون ولا دعوة و تبليغ ، فكلٌّ منهم يمثلُ جزءًا من كلّ اسمه الإسلام ، و من الخطأ من وجهة نظري أن يدعي أحد منهم أنه يمثل الإسلام ، لإن الإسلام كامل و هم ناقصون ، لكنهم في تقدريري يمثلون جزءا منه و هذا حق و واقع ، و لا نعيب عليهم أخطاءهم فشغلنا ليس متابعة الخطأ بقدر ما يهمنا تعزيز الصحيح لديهم لإن ذلك كله يعزز عجلة النهضة المبنية على أساس متين هو " لا إله إلا الله محمد رسول الله " صلى الله عليه و آله و سلم !


كما أننا لا نجد أي تناقض بين ما حدث في تونس و مصر و ما يحدث الآن في ليبيا و اليمن و البحرين من ثورات و ربما هناك المزيد إن شاء الله ، و بين تصويب العيون تجاه فلسطين و القدس ، بل بالعكس و الله إن الناظر المحدق جيدا يرى أن الترابط جدُّ متين فزوال الظلم عن المسلمين بشرى خير لزواله على قبلتهم الأولى و إن ذلك أصبح يتراءى أمامنا و ما كنا يومًا نظن أننا سنصل إلى هذا الحد من التفاؤل فلله الحمد في الأولى و الآخرة و له الحكم و إليه ترجعون !

أرحب بأي انتقاد يثري ويضيف فكرة جديدة


جزاكم الله خيرا


سلام عليكم و رحمة الله و بركاته


بقلم : عـــــــــُـــــــــــــمــــَــــــــــــــــر


التاريخ : 11-03-2011


الساعة : 11:50 مساء بتوقيت القدس المحتلة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق