بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، و الصلاة و السلام على أشرف خلق الله ، و آله وصحبه و من والاه ، و التابعين لهم بإحسان إلى يوم لقياه ... و بعد، فالسلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته ...
لم يعلم عسكرٌ الحموي يومًا أن العبد الذي اشتراه من بين جملة الأسرى الروميين الذين حُمِلوا إلى بغداد بأنه سيصبح علمًا لا يُعرَف إلا باسم مدينة بعينها من مدن الشام الشريف، و لم يكن يعلم ذاك العبد أن مولاه عسكرًا سيعامله بأخلاق مدينته المنسوب هو إليها بحيث يلحقه بكتاتيبها ليتعلم كي ينفع نفسه و ينفع الناس ، و لم يعلم ذاك العبد أنه بعد أن يدرس النحو و الصرف سيتكرم سيده الحموي عليه فيعتقه لوجه الله و يعطيه نسبته كي يتحول اسمه من ياقوت الرومي إلى ياقوت الحموي ، لكنّ ياقوتًا قرر أن يجوب البلدان ليكتب بعد ذلك معجمًا جغرافيًا يكون متفردًا في عصره ، ولقد كنت أود أن أسأله لو كان بيننا اليوم : أين كنت ستكتب عن حماة في كتابك يا ياقوت ؟
لم يعلم أبو الحسن بن العطّار الدمشقي أن عمل أبيه في العطارة لن يمنعه من أن يكون نشطًا في الحساب و الرياضيات فيخوله ذلك النشاط المباح أن يصبح من أعلام دمشق في هذا المضمار، ولقد كنت أود أن أسأله لو كان بيننا اليوم : ما المعادلة الحسابية الرياضية التي يخضع لها استئساد الجيش " العربي السوري" على الشعب العربي السوري العظيم الأعزل فيدك مدنه بالدبابات دكًا خصوصا حماة ؟
لم يعلم أبو الحكم الدمشقي و لا ابنه الحكم الدمشقي ، و ما كان يعلم أبو عثمان الدمشقي و لا ابن أبي أُصَيْبِعَةَ الدمشقي أنهم جميعا سيقودهم قدرهم كي يتعلموا الطب و يبرعوا فيه ، و يكونوا من أفضل من يصف العلاجات و يعطي الأدوية و يشخص الأمراض ، ولقد كنت أود أن أسألهم جميعا لو كانوا بيننا اليوم : كم من الجرحى كنتم ستداوون من أهل درعا و اللاذقية و دير الزور و حماة ؟ أم تراكم ستصفون الأدوية لأهل دمشق وحدهم ؟
لم يعلم ابنُ صغيرٍ أنه سيترك رئاسة الأطباء في الديار المصرية كي يكون في خدمة الملك الظاهر برقوق ، و أنه سيقضي آخر ليلة من حياته بكل ما فيها من تفاصيل في حلب ، و لم يكن يعلم أن جسده سيوارى ثراها الأشهب ، و لقد كنت أود أن أسأله لو كان بيننا اليوم: أكانت حلب تستحق أن تترك كل شيء من أجلها لتموت و تدفن فيها بعيدا عن أهلك و وطنك ؟
لم يعلم ابنُ الشاطرِ الدمشقي أنه سيبرع في الرياضيات و الفلك ، و لم يكن يعلم أنه سيعمل مُوَقّتًا في الجامع الأموي ، و لم يكن يعلم أنه سيتقن علم آلات الرصد ، و لقد كنت أود أن أسأله لو كان بيننا اليوم: أكنت ستعمل مُؤقّتًا في الجامع الأموي و حوله دبابات الجيش " العربي السوري" ؟ أم كنت سترصد حركات الشبيحة حول الجامع دون أن تُعلِمَ المصلين داخله أنهم إن خرجوا على عتبته فسيخرجون إلى الآخرة من أوسع أبواب الدنيا ؟
لم تعلم دمشقُ أن منارتها ستزحف شمالا إلى حماة في الثاني من شباط – فبراير 1982م حين صعدت أنوار أرواح ثمانية و ثلاثين ألفا من أنفس كانت تلهج بالدعاء و الصلاة لله أن ينقذها من شرِّ حافظٍ إذا بطش ، سُمِعَ الدعاء لكن صوت دك الطائرات الحربية لمآذن مساجدها كان للناس أسمع ، ما تركوا طفلًا إلا وقتلوه ، و ما تركوا حرةً إلا هتكوا عرضها ، ألم تسمعوا صوت الحزناوات و هن يستغثن جنود حافظ ... ؟ أم أنكم لم تسمعوا صراخ الرجال بشواربهم وهم ينظرون إلى أعراضهم تدنس أمام عيونهم ؟ أم لم تسمعوا عن ذوبان أبدان رواد مساجد حماة في أحواض الأحماض الكيميائية ؟ أم تراكم ما دريتم عن اغتصاب الرجال و نتف لحاهم واقتلاع أظفارهم و صعق عوراتهم بالتيارات الكهربائية الشديدة العالية في أروقة غرف التحقيق في أبنية أجهزة الأمن و المخابرات في المدينة؟ ألم تعلموا أن آلافًا مؤلفة من أُسَر حماة آثرت أن تحافظ على شرف نسائها فنزحت شرقا و غربا و شمالا و جنوبا تشكو إلى الله ظلم حافظ ؟
لم تعلم دمشقُ بعد مضي ثلاثة عقود من أحداث حماة أن منارتها ستولي وجهها شطر درعا في الجنوب ؛ إذ قرر فلاحو هذه الأخيرة إلحاق البلاد بطولها و بعرضها بركب الثورات؛ لتسجل بذلك سبقًا في تاريخ الجنوبيين على مر الزمن ، خرجت درعا بنواحيها و مراكزها و قراها ما تطلب من ابن حافظ إلا شيئا من كرامة إنسانية، و كانت ما تزال لدى تلك النقطة من الزمن تنعته بسيادة الرئيس ، لكن سيادة الرئيس أبى هو و ابن أبيه إلا أن يقنعوا فلاحي درعا أن مطلبهم غير قابل للتحقيق ، حاولوا إقناعهم بذلك على "الطريقة الحمائية " مع كثير من التعديلات -إذ يبقى لحماة خصوصيتها- لكنهم فشلوا رغم ذلك؛ إذ صممت درعا و أهلها البسطاء على أنهم ليسوا أقل من غيرهم ، و أن حماة ما تزال تلهمهم فكانوا أول من سارع إلى تقديم القرابين لنار الثورة إيذانًا و استبشارًا بالخلاص ... ألهمتهم حماة و ألهبتهم درعا !
لم تعلم قواتُ سيادة الرئيس و شبيحة ابن أبيه أنها ستعود لمسلسل فعلته أجيال من جنرالات تربت قديمًا على الطاعة المطلقة ، و على مبدأ التنفيذ من دون نقاش ، بدأ المسلسل بإهراق دماء شباب في أعمار الزهور من درعا ، لتتشعب أحداث هذا العمل الدرامي الذي يشبه كثيرًا ما تنتجه هولييود مع بعض الاختلافات من مثل: أن العمل بإنتاجه و تنفيذه عربي خالص ، و أنه حقيقي خالص لا خيال فيه ولا إيهام . تبرأ درع الجنوب " درعا الشرارة" من فعلة ابن حافظ التي فعلها ، و تناولت ألسنتهم بعد تلك النقطة الزمنية أمرًا لم يحسب الحمقى له شيئًا من حساب: "الشعب يريد إسقاطَ النظام" بنصب كلمة "إسقاط" ، مع العلم أن أحدًا من الشعوب العربية الثائرة لم ينصب كلمة " إسقاط " إلا أهل درعا و كأنهم أرادوا بهذا النصب أن ينصبوا محاكمَ عدلٍ لمن أساء إلى وطنهم الكبير ، و أن ينصبوا مشانق لمن خان الوطن الفسيح الذي ضاق على أهله من ضير و ظلم بني حافظ .
لم تعلم "درعا الشرارة" أن الوطن الضيق بما رحب ، سيتحول تدريجيُّا إلى فوّهة بركان يَقذفُ حِمَمَهُ في وجوه الذين أقسموا بالله أن يخونوا الوطن ، و أن يبيعوا كرامة وجودهم في الشام الأشرف بفتاتٍ من امتيازاتٍ اشترى ذمَمَهم بها ابنُ حافظٍ و من حوله ، كلُ حِمَةٍ انبعثت من بركان الوطن دُوّنَ عليها اسم منطقة بعينها من مناطق "عزبة" بني حافظ ؛ فحمةٌ التهبت في اللاذقية ، و حمةٌ ثانيةٌ في دير الزور ، و ثالثةٌ في ريف دمشقَ ، و رابعةٌ في حلب ، و خامسةٌ في حِمص ، و سادسةٌ في إدلب ، و سابعةٌ في جسر الشغور، أمّا أمُّ الحِمَمِ فكانتْ حيثُ ولدت اللعنة و تَرعْرَعَت ، هناك حيثُ ترمّلتِ النساءُ و أُثْكِلَتْ ، هناك حيث ذُبّحَتِ الرجالُ وبسوءِ العذابِ المهينِ سِيمَتْ ، في حماة حيث تلتقي الذكرياتُ بالتاريخ و الجغرافيا ، حِينَ تُنْكَأ الجراحُ بمخالبَ من حديدٍ ، وحينَ تصبحُ المعادلةُ أشدَّ إلحاحًا لا يبقى لحماة إلا أن تظهر على حقيقتها و أن تكشف سرها ، حماة الرقم الصعب في جداول بني حافظ الزمنية ، و في قوائم العتاد اللازم للقصف الدموي الذي لا يستهدف أساسًا إلا ما هو مدنيٌّ بالضرورة .
لم تعلم حماةُ أن يومًا لا بالقريب هو و لا بالبعيد سيأتي عليها و على الوطن لتكون هي فيه صاحبة الكلمة العليا على سائر المدن ، و لم تعلم بعد لياليها السوداء شتاءَ 1982م أنها ستعود لتؤرق ابنَ حافظٍ كما أرّقَتْ حافظًا الأبَ نفسَه يومَ أن انبرت وحدَها لتنتزعَ الحقَّ من أفواه الكلاب ... أتى حماةَ ذاك اليومُ و أتى بني حافظٍ ما يوعدون ، و بقي حميمُ حماةَ يغلي في أقتاب بطون القتلة و ورثتهِمُ القتلة ، و بقيت حماةُ في العقول و الموازين و المعادلات الأثقلَ و الأخطرَ، و الأدعى إلى ابتلاع اللعابِ حينَ يقرر جمعٌ متواضعٌ من أهلها الهتافَ :" ما منحبك ما منحبك " .
لم تعلم نواعيرُ حماةَ أنها ستبقى أكثرَ النواعيرِ في الشرق الأوسط شهادةً على ظُلمِ ظالم ، و لم تعلم أنها ستكون النواعيرَ الوحيدةَ في العالم التي ستشهد على قَبْرِ بني حافظٍ بعد دهرٍ من صبِّ الحميمِ بدلَ الماءِ على رؤوسهم ! فتلكمُ حكايةُ القدرِ حينَ يُنسَجُ من دمِ الأطفالِ و تلكمُ قصةُ حماة حينَ يتفجرُ حَميمُها .
جزاكم الله خيرا
سلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
بقلم : عــُـــمــَـــر
التاريخ : 20-رمضان -1432هـــ
20-08-2011م
الساعة : 5:42 مساء بتوقيت مكة المكرمة